محمد بن جرير الطبري

581

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

كتب اليه كتابا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم واخراب البلدان والأمصار ، واستحلال الفروج والأموال ، وانتحال ما لم يجعله الله له أهلا من النبوة والرسالة ، ويعلمه ان التوبة له مبسوطه ، والأمان له موجود ، فان هو نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخطها الله ، ودخل في جماعه المسلمين ، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه ، وكان له به الحظ الجزيل في دنياه وانفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث ، والتمس الرسول إيصاله ، فامتنع أصحاب الخبيث من ايصال الكتاب ، فالقاه الرسول إليهم ، فاخذوه وأتوا به إلى الخبيث ، فقراه فلم يزده ما كان فيه من الوعظ الا نفورا وإصرارا ، ولم يجب عن الكتاب بشيء ، وأقام على اغتراره ، ورجع الرسول إلى أبى احمد فأخبره بما فعل ، وترك الخبيث الإجابة عن الكتاب وأقام أبو احمد يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء متشاغلا بعرض الشذا والسميريات وترتيب قواده ومواليه وغلمانه فيها ، وتخير الرماه وترتيبهم في الشذا والسميريات ، فلما كان يوم الخميس سار أبو احمد في أصحابه ، ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينه الخبيث التي سماها المختارة من نهر أبى الخصيب ، فأشرف عليها وتأملها ، فرأى من منعتها وحصانتها بالسور والخنادق المحيطة بها وما عور من الطرق المؤدية إليها وأعد من المجانيق والعرادات والقسي الناوكيه وسائر الآلات على سورها ما لم ير مثله ممن تقدم من منازعى السلطان ، ورأى من كثره عدد مقاتلتهم واجتماعهم ما استغلظ امره فلما عاين أصحابه أبا احمد ، ارتفعت أصواتهم بما ارتجت له الأرض ، فامر أبو احمد عند ذلك ابنه أبا العباس بالتقدم إلى سور المدينة ورشق من عليه بالسهام ، ففعل ذلك ودنا حتى الصق شذواته بمسناه قصر الخائن ، وانحازت الفسقه إلى الموضع الذي دنت منه الشذا ، وتحاشدوا ، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم وعراداتهم ومقاليعهم ، ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم ، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذا على موضع الا رأى فيه سهما أو حجرا ، وثبت أبو العباس ، فرأى الخائن وأشياعه من جدهم واجتهادهم وصبرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهم